الرشادة الاقتصادية والرشادة السياسية
  الآنتقال الى   
   أعداد سابقة  
 
المواضيع الرئيسية
الرئيسية 
رسالة من المحرر 
قضايا ساخنـــــة  
اخبــار الوطن  
رياضــــــــــــة  
اقتصــــــــــاد  
مساحـــــة رأى  
حوار  
اخبــــار العالم  
حوادث و قضايا  
السكوت ممنوع  
زى النهارده  
أخيرة  
منوعات  
أعمدة العدد
  خط أحــــــــمر
  فصل الخطاب
  معاً
  الكثير من الحب
  على فين
  وجدتــهــا
  وجوه على ورق

الرئيسية | مساحـــــة رأى
اطبع الصفحة  ارسل لصديق  اضافة تعليق


الرشادة الاقتصادية والرشادة السياسية

    أحمد جلال    ١٦/ ١٢/ ٢٠١٩

لم تكن هذه هى المرة الأولى التى أشارك فيها متحدثًا فى المؤتمر السنوى لأكاديمية السادات، بل هى الثالثة على ما أذكر. انعقد المؤتمر يوم ٩ ديسمبر الماضى تحت عنوان «الاقتصاد العادل وأمثلية تخصيص الموارد»، بثلاثة قواسم مشتركة مع سلسلة المؤتمرات السابقة: أولها قدرة الدكتور إيهاب الدسوقى، رئيس قسم الاقتصاد بالأكاديمية، على تعبئة متحدثين من أروقة الحكومة والأكاديميين والمجتمع المدنى، ثانيها حضور جماهير غفيرة، على حد تعبير الراحل جلال أمين، وثالثها طرح موضوعات تبعث على الحيرة.

فى إطار الإعداد لما سوف أقوله، وفى محاولة لفك طلاسم العنوان، استوحيت محاور حديثى، أولًا: مما قد تعنيه الكلمات الواردة فى العنوان (الموارد، التخصيص الأمثل لها، والاقتصاد العادل)، ثانيًا: البدائل الممكنة لإدارة الموارد بكفاءة وعدالة، وثالثًا: التعليق على ما يمكن أن يعنيه كل ما سبق بالنسبة لمصر. وإليكم ملخص ما جاء فى الحديث.

بدءا بمحاولة تفسير الكلمات الحاكمة فى عنوان المؤتمر، من المعروف أن «الموارد» تكتسب معناها الاقتصادى عندما تقترن بالندرة، ولهذا لا يعتبر الهواء من الموارد الاقتصادية. ومن المعروف أيضا أن «الموارد» تتضمن التراكم الرأسمالى المادى والبشرى، ولأسباب تحليلية، يتم التفرقة بين ما هو جديد (استثمار)، وما هو قديم (الثروة)، وكذلك ما هو مالى (الأوراق المالية) وما هو حقيقى (المصانع)، وما هو طبيعى (البترول) وما هو من صنع الإنسان (السيارة). أما تعبير «التخصيص الأمثل» للموارد، فالقاعدة المعمول بها مأخوذة من توصيف «باريتو» على أنها تلك الحالة التى لا يمكن فى ظلها إعادة تخصيص الموارد لتحقيق فائدة إضافية لأحد، دون الإضرار بأحد آخر.


.. وأخيرًا تأتى مسألة «الاقتصاد العادل»، والمعروف أن الاقتصاد التقليدى لا يحفل بها كثيرا، لأنه يركز فى المقام الأول على الكفاءة ويكتفى بتعويض أصحاب الموارد، بما فى ذلك العمل، بقدر مشاركتهم فى الإنتاج. وحقيقة الأمر أن قضية الاقتصاد العادل لها مفاهيم مختلفة، وتنتمى فكريا وعمليا لمجال الاقتصاد السياسى.

إذا كان ذلك كذلك، فكيف لمجتمع أن يحقق الكفاءة الاقتصادية والعدالة، على الأقل بمعنى تكافؤ الفرص، فى آن واحد؟ السائد هذه الأيام أن الإجابة تتطلب رشادة اقتصادية، ورشادة سياسية. تحقيق الرشادة الاقتصادية يأتى من تفعيل آليات السوق الحرة، مع تدخل الدولة لإصلاح ما يفشل السوق فى تحقيقه بقدر من الحكمة. أما الرشادة السياسية فتتحقق بدرجة معقولة عندما تعمل سوق السياسة أيضا بكفاءة، وهذا يتطلب تمثيلًا حقيقيًا لأصحاب المصالح المختلفة، والمنافسة الشريفة بينهم للوصول إلى الحكم. غياب الرشادة الاقتصادية يعرض المجتمع لإهدار الموارد النادرة. غياب الرشادة السياسية يزيد من احتمال التوزيع السيئ للفرص فى الدخل والثروة والحظوظ. بالمقارنة، وحتى وقت قريب، كان هناك تصور آخر للإدارة المثلى للموارد، يقوم على التحكم الإدارى فى تخصيصها وتسعيرها، وعلى سيطرة الحزب الأوحد فى تحقيق العدالة. هذا النموذج فقد بريقه، رغم بعض النجاحات، بعد فشله فى الاتحاد السوفيتى ودول أوروبا الشرقية. نجاح التجربة الصينية فى تحقيق معدلات نمو عالية، وانتشال مئات الملايين من تلابيب الفقر، فى ظل حكم الحزب الشيوعى يعد استثناء، لكن إلى متى؟

ماذا عن الحالة المصرية؟ يبدو أننا نقف فى منتصف الطريق. لدينا بعض الأسواق التى تعمل بكفاءة، لكن الرشادة الاقتصادية تتطلب القضاء على الاحتكار وحماية المنافسة فى أسواق أخرى عديدة. كما أن الدولة تتدخل بشكل حميد فى بعض الأسواق (مثل البنية الأساسية)، لكنها تتقاعس عن حماية المستهلك (مثل عدم استقلال جهاز تنظيم الكهرباء)، وتعمل فى مجالات من الأفضل تركها للقطاع الخاص (مثل إنتاج الأسمنت أو المعلبات). النتيجة المتوقعة أن اقتصادنا لا يعمل بكفاءة، أو بكامل طاقته. وإذا كانت الرشادة الاقتصادية غائبة بعض الشىء، فالرشادة السياسية غائبة بدرجة أكبر. السوق السياسية ينقصها لاعبون أشداء (أحزاب سياسية، ونقابات مهنية)، وقواعد عمل تضاهى تلك المعمول بها فى الدول المتقدمة (مثل قوانين الانتخابات على المستويين القومى والمحلى)، وتشوبها بعض سمات النظام الشمولى.

عودة للمؤتمر وموضوعه، من المؤكد أن الاقتصاديين يستطيعون تحديد شروط التخصيص الأمثل للموارد، لكن السياسيين هم من يحددون الأولويات لصالح من يرونه أحق بها. لهذا السبب، ما نحتاجه لبناء مستقبل زاهر لا يتوقف فقط على المزيد من الرشادة الاقتصادية، بل الرشادة السياسية أيضا.

 

 

 


الاسم :
البريد الالكتروني :
موضوع التعليق :
التعليق :












Site developed, hosted, and maintained by Gazayerli Group Egypt