جمال أبوالحسن يكتب: تآكل استراتيجية الردع فى عالمنا
  الآنتقال الى   
   أعداد سابقة  
 
المواضيع الرئيسية
الرئيسية 
رسالة من المحرر 
قضايا ساخنـــــة  
اخبــار الوطن  
رياضــــــــــــة  
اقتصــــــــــاد  
مساحـــــة رأى  
حوار  
اخبــــار العالم  
حوادث و قضايا  
السكوت ممنوع  
زى النهارده  
أخيرة  
منوعات  
أعمدة العدد
  خط أحــــــــمر
  فصل الخطاب
  معاً
  الكثير من الحب
  على فين
  وجدتــهــا
  وجوه على ورق

الرئيسية | مساحـــــة رأى
اطبع الصفحة  ارسل لصديق  اضافة تعليق


جمال أبوالحسن يكتب: تآكل استراتيجية الردع فى عالمنا

       ١٦/ ١٢/ ٢٠١٩

الردع مفهوم أساسى فى العلاقات بين الدول، بل هو مفهوم جوهرى فى العلاقات بين البشر عمومًا. ينصرف الردع إلى توجيه رسالة للخصم بأن تكلفة الإقدام على فعلٍ عدوانى تفوق أى عائد متوقع من وراء هذا الفعل. هو بهذا المعنى «مفهوم نفسى» فى الأساس. جوهر الردع أن تُلقِى فى قلب الخصم الخوف والرعب بما يحمله على الإحجام عن العدوان. هو أيضًا مفهومٌ مهمٌ لصيانة السلم فى العالم، ذلك أن الردع يتعلق بتجنب نشوب النزاعات عبر إقناع الأطراف ذات النزعات العدوانية بعدم جدوى خوض الحروب، لأن خسارتها ستكون أكبر من المكاسب التى تتوقعها.

المؤكد أن عجز الحلفاء عن ردع الاعتداءات، اليابانية والإيطالية ثم الألمانية، خلال فترة ما بين الحربين كان سببًا مهمًا فى اندلاع الحرب العالمية الثانية. تآكل مصداقية الردع تُترجم تلقائيًا إلى تشجيع المعتدى على تجريب حظه فى التصعيد. يلجأ المعتدى غالبًا لتجريب الخصم عبر شن اعتداءات بسيطة لتجريب رد الفعل، فإن لم يجد حزمًا مناسبًا، واصل التصعيد. المُعضلة الحقيقية لِمن يُمارس استراتيجية الردع تكمن فى تلك الاعتداءات البسيطة التى تقع فى أحيان كثيرة بمنطقة رمادية: لا هى من الخطورة بما يستوجب ردًا قد يُشعل صراعاتٍ أكبر، ولا هى من البساطة بحيث يمكن التجاوز عنها من دون أن تتأثر مصداقية الردع ذاتها. إنها لعبة شطرنج كما ترى، وتعتمد فى الأساس على ما يلتقطه الخصم من انطباعات وما يستقر فى وعيه حيال نوايا الطرف الآخر ومدى مصداقيته.

فى الحرب الباردة كان الردع واضحًا ومتبادلًا. السلاح النووى جعل الحرب بين قوى تمتلك هذا السلاح خيارًا مميتًا ينطوى على فناءٍ للبشرية ذاتها. لذلك بلغ الأمرُ بالبعض أن جادل بأن السلاح النووى أسهم فى نشر السلام، إذ جعل من الحرب الشاملة بين القوى الكبرى بديلًا مستحيلًا.

عندما انتهت الحرب الباردة منذ ثلاثين عامًا، عاش العالم لحظة أحادية القطبية. تولت الولايات المتحدة مسؤولية الردع منفردة على المسرح الدولى. التصدى لغزو العراق للكويت فى ١٩٩١ كان إيذانًا بهذه المرحلة الجديدة. ثم حدث أن ظهرت نوعيات جديدة من التهديدات لا يصلح معها الردع التقليدى. من ذلك مثلًا الهجمات التى تعرضت لها الولايات المتحدة فى ١١ سبتمبر ٢٠٠١، وهجمات الإرهاب بشكل عام. غزو أفغانستان ثم غزو العراق كشفا عن أن «تشكيل المجتمعات» التى تُفرز الإرهاب لا يُمثل استراتيجية ناجعة. ظهر كذلك أنها مهمة مستحيلة، بل قد تجلب ضررًا مؤكدًا وخرابًا عميمًا. فى النهاية، لم تؤدِ هذه التجارب إلى القضاء على الإرهاب، بدليل أن داعش ظهرت فى أعقابها.

ظهرت أيضًا أسلحة جديدة، جعلت الردع استراتيجية أكثر صعوبة وتعقيدًا. الحرب السيبرانية، على سبيل المثال، تقوم على استهداف الشبكات الحياتية (الماء والكهرباء)، والاقتصادية (البنوك والبورصة وماكينات ATM)، بل وحتى العسكرية (نظام GPS). أثرها التدميرى هائل لأنها قد تُشعل حالة من الفوضى والاضطراب فى المجتمع المستهدف. والأسلحة السيبرانية ليست مكلفة، وهى فى متناول أغلب الحكومات، بل والجماعات الإرهابية أو حتى الأفراد. الأخطر أنه فى حالات كثيرة قد تستطيع الدول التملص من مسؤوليتها عن عمليات سيبرانية عدوانية. هذا ما يجعل ردع هذه النوعية من الاعتداءات مهمة أصعب كثيرًا، ذلك أن من يُمارسها يعرف سلفًا أنها تقع فى منطقة رمادية، وأن إثبات المسؤولية عنها أمرٌ صعبٌ بالمقارنة بالعمليات التقليدية.

والحاصل أن العقد الأخير شهد تآكلًا واضحًا فى مفهوم الردع، بما شجع قوى صاعدة وطامحة على ممارسة اعتداءات بجرأة أكبر. الرئيس الروسى بوتين مارس هذه الاستراتيجية بنجاح كبير، بداية من الاعتداء على جورجيا فى ٢٠٠٨، ثم أوكرانيا فى ٢٠١٤، وأخيرًا عبر التدخل فى سوريا فى ٢٠١٥. الصين بدورها تمارس استراتيجية تصعيدية فى بحر الصين الجنوبى والشرقى، وهى تقترب بثباتٍ وهدوء من فرض وضع قائم جديد ينطوى على سيطرتها الفعلية على هذه المنطقة بالغة الأهمية لحركة الملاحة العالمية. الردع الأمريكى، وإن لم يتآكل كليًا على هذه الحلبة، إلا أنه يبدو أقل تأثيرًا من ذى قبل.

ولا شك أن الاعتداءات الإيرانية فى الخليج العربى، خلال الصيف الماضى، قد وجهت ضربة جديدة للردع الأمريكى، سواء عبر تخريب الناقلات أو احتجازها أو إسقاط الطائرة الأمريكية المُسيّرة فى المياه الدولية (وهى طائرة كبيرة سعرًا ٢٠٠ مليون دولار، وبحجم البوينج)، ثم توجيه ضربة للمنشآت النفطية السعودية، بما أدى لتراجع الإنتاج السعودى للنصف لأيام. كل هذه الضربات مثّلت اختبارًا لمصداقية الردع الأمريكى، وهى فى نفس الوقت محصلة لقراءة إيرانية متأنية للتطورات العالمية المتواترة عبر عقدٍ من الزمان، والتى تسارعت أكثر فى عهد «ترامب».

عالم من دون ردع هو باليقين عالمٌ أخطر، وأكثر عُرضة لانتشار النزاعات والحروب. غياب الردع أو تآكله يُشجع المعتدين ويدفعهم للمخاطرة باعتداءات صغيرة، لا تلبث أن تصبح أكثر حِدة واتساعًا إن هى لم تُواجَه بحسمٍ. فى ظل سياسة أمريكية «انسحابية»- أو أقل انخراطًا من ذى قبل- يتعين على المهتمين بالسلم العالمى التفكير فى استراتيجيات بديلة. انحسار «مظلة الردع الأمريكية» سيكون التطور الأهم فى تشكيل عالمنا خلال السنوات القادمة.

 

 


الاسم :
البريد الالكتروني :
موضوع التعليق :
التعليق :












Site developed, hosted, and maintained by Gazayerli Group Egypt