د.عصام محمد عبدالفتاح يكتب: المعركة الشرسة
  الآنتقال الى   
   أعداد سابقة  
 
المواضيع الرئيسية
الرئيسية 
رسالة من المحرر 
قضايا ساخنـــــة  
اخبــار الوطن  
رياضــــــــــــة  
اقتصــــــــــاد  
مساحـــــة رأى  
اخبــــار العالم  
حوادث و قضايا  
سياحة  
برلمان  
السكوت ممنوع  
زى النهارده  
فنون  
أخيرة  
منوعات  
أعمدة العدد
  خط أحــــــــمر
  فصل الخطاب
  معاً
  عن قرب
  الكثير من الحب
  على فين
  وجدتــهــا
  أنا والنجوم

الرئيسية | مساحـــــة رأى
اطبع الصفحة  ارسل لصديق  اضافة تعليق


د.عصام محمد عبدالفتاح يكتب: المعركة الشرسة

       ١٢/ ٦/ ٢٠١٩

المعركة المقصودة لا تختلف كثيرا عن المعارك الحربية. هى فى الواقع ضرب من المعارك الفكرية العديدة التى قيض للعقل الإنسانى أن يخوضها بحكم تكوينه منذ نشأته حتى مماته. وهى أشد المعارك الذهنية شراسة لأن العدو الذى يتصدى له العقل ليس بغريم سهل الهزيمة إذ تستلزم مواجهته استراتيجيات خاصة معقدة يصطدم العقل فيها بعراقيل قد تتصل بأوهام العقل ذاته أو بالمجتمع الذى يعيش فيه وبالتاريخ والتراث حينما تحيط بهما هالة القداسة فيمتنع معها الفحص النقدى لهما وما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة.

هذه المعركة فى جوهرها معركة معرفية يقوم بها العقل حينما يلتف حول ذاته ويشرع فى مراجعة أفكاره يمحصها بدقة حتى يتخلص مما يعلق بها من أوهام وأخطاء تحجب عنه الرؤية السليمة للواقع وتعوق تقدمه. بيد أن هناك نوعين من المعرفة يعمل العقل عليهما حينما يقوم بهذه المهمة الحربية. معرفة ترتبط بالعلوم المتخصصة وفروعها الدقيقة التى يتوسل فيها العقل بمناهج علمية تختلف حسب كل علم، ومعرفة أخرى مرتبطة بطريقة الإنسان فى التفكير داخل مجتمعه وتحدد علاقته بالأفكار السائدة فيه. وفى هذا النوع الأخير من المعرفة، تتحكم الطريقة التى ينظر بها العقل إلى واقعه المركب فى تحديد موقعه من المسار الحضارى وفى قدرته على الانخراط فيه. لا ريب أن المشكلات التى يعانى منها المجتمع العربى والتى تشكل عائقا لا يستهان به فى محاولاته المستمرة لتغيير واقعه إلى واقع أفضل ترتد إلى عوامل متعددة ومتنوعة: اجتماعية واقتصادية ونفسية تؤثر تأثيرا بالغا فى قدراته وسلوكه وفى خياراته الأيديولوجية. وقد اختلفت النظريات والمذاهب الفلسفية فى تحديد العامل الأكثر تأثيرا من غيره فى مسار الأحداث وفى تشكيل السلوك الإنسانى. فمنها من أولى أهمية خاصة للعوامل الاقتصادية ومنها من جعل الأولوية للعامل السياسى والتاريخى مثلا. وعندما يحاول المفكرون المهمومون بإشكالية التقدم الحضارى فى مجتمعاتهم البحث عن أنجع الوسائل للخروج من هذه الدائرة المغلقة التى يكون فيها الإنسان ضحية لعوامل خارجية لا يد له فيها وفى نفس الوقت عاجزا عن السيطرة عليها فإن أول شىء يفعله العقل هو البدء فى تغيير طريقة التفكير التى يتعامل بها الإنسان مع واقعه والتى إن نجح فى تغييرها فبإمكانه إحداث ثورة معرفية واجتماعية واقتصادية من شأنها سحق كل العراقيل التى تعوق تطوره الحضارى. وسأضرب مثالا تاريخيا على ذلك. لم يكن للثورة الفرنسية مع ما تمخض عنها من نتائج معرفية كبيرة أن تحدث لو لم يتحقق ما يسميه المؤرخون لها «وعى الذات بنفسها وبالأوهام التى تكبل العقل وتمنعه من أداء وظيفته النقدية» إن أهم ما يميز عصر الأنوار كما يقول المؤرخ الفرنسى جان فرارى المتخصص فى فلسفة الأنوار هو التفكير النقدى العميق فى وضع الإنسان وفى العقبات التى تحول دون تقدم البشرية وأسبابها. وقد أدى التفكير النقدى إلى وعى كامل بمشكلات الواقع الاجتماعى والسياسى والاقتصادى وبوسائل التحرر منها حتى اجتاحت فلسفة الأنوار أوروبا بأسرها. وإذا ما انتقلنا إلى الواقع العربى نجد أن المشكلة التى تعوق تقدمه لا تكمن فى النصوص التى تتشكل بها رؤيته للواقع، وإنما هى ترتبط بطريقة معينة فى التفكير تقيد العقل فى قراءته للواقع المأزوم خاصة إذا كان هذا الواقع نتاجا لقراءات منغلقة لنصوص مقدسة. وقد شاهدنا ذلك واضحا فى العصور الوسطى، حيث كانت الكنيسة هى السلطة الوحيدة التى تحدد ما يعد من الحقائق العلمية المطلقة وتجعل ما يخالفها كفرا وبطلانا. فلم يكن لدى جاليليو الشجاعة الكافية على التضحية بحياته من أجل التمسك بنظرية دوران الأرض حول الشمس لمخالفتها التفسير الدينى الرسمى للكنيسة مع ما يترتب على ذلك من إدانته بالموت تحت المقصلة. وبسبب هذا التفسير امتنع التقدم العلمى قرونا طويلة. وقد كانت القراءة الدوجماطيقية للنصوص وبالا أيضا على البلاد الشيوعية التى ألزمت نفسها بالقراءة الحرفية لنصوص ماركس وإنجلز وبخاصة فى أبعادها الاقتصادية مما اضطرها فى النهاية إلى التحلل من قيود التزمت الأيديولوجى فرأينا الكثير منها يأخذ بأفكار لم يذهب إليها ماركس فى مخطوطاته. ويروى لنا الدكتور مراد وهبة قصة طريفة حدثت له حينما دُعى إلى حضور مؤتمر فلسفى دولى انعقد فى جامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٧٦، وكان الاقتصاد المصرى فى ذلك الوقت فريسة بين مخالب الأصولية التى انتهجت رأسمالية طفيلية تبيح لها التجارة فى كل محظور من أجل تحقيق أهدافها. وفى أثناء المؤتمر تقابل مع أحد الأساتذة الأمريكيين المتخصصين فى الاقتصاد المصرى وبادره سائلا: «لدى سؤال يؤرقنى أود أن أطرحه عليكم. لقد لاحظت أنكم بعد حلولكم محل السوفييت فى مصر قمتم بشيئين معا: دعمتم أصولية دينية والرأسمالية الطفيلية، وكلتاهما ضد الحضارة. فما مغزى ذلك؟ وبدلا من أن يستشيط الاقتصادى الأمريكى غضبا من سؤال يدين سياسة بلاده فى مصر إذا به يبتسم قائلا: «هذا ما قصدنا إليه لكى نجهز تماما على القطاع العام لديكم. وليس هناك أفضل من الأصولية الدينية والرأسمالية الطفيلية للقضاء عليه».

 


الاسم :
البريد الالكتروني :
موضوع التعليق :
التعليق :












Site developed, hosted, and maintained by Gazayerli Group Egypt